الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
360
نفحات الولاية
كنا نعيش مثل هذا العالم ، والأنكى من ذلك الفتن التي وقعت بعد خمس وعشرين سنة من رحيل النبي صلى الله عليه وآله حين وصلت الخلافة عام 35 ه فاستهدفت تلك الفتن إعادة الإسلام إلى الجاهلية ؛ أمّا السنوات الأخيرة لخلافة عثمان فقد شهدت غياب جميع القيم والمثل الإسلامية ، في حين تجددت سنن الجاهلية وأعرافها المقيتة وانبرت طلائع الشرك والنفاق للتسلم مواقعاً حساسة في الحكومة ؛ الأمر الذي كان يعقد وظيفة الإمام عليه السلام . صحيح أنّ الإمام عليه السلام تمكن بجهاده المرير أن يحيى القيم والمثل الإسلامية ، ولكن المؤسف أنّ الفتن لم تسكن حتى أدت في خاتمة المطاف إلى قتل الإمام عليه السلام في محرابه من قبل تلك الطغمة الضالة . ثم اتسع حجم هذه الفتن على عهد معاوية ويزيد وسائر الشجرة الأموية الخبيثة ، فقد سفكت الدماء ، واستفلحت البدع ، وسادت الأهواء ، لتبلغ ذروتها على عهد بني العباس حتى مثل الإسلام وجفت عروقه . فلو نظرنا إلى هذه الفتن لوقفنا على عمق خطبة الإمام عليه السلام التي حصرت أساس الفتن في أمرين اتباع الهوى والبدع في دين اللَّه ؛ الأمران الذان يشاهدان في كل مكان ، فقد تمسكت طائفة من أصحاب الفتن بالأمر الأول بينما لاذت طائفة أخرى بالأمر الثاني . ولا نرى البحث يسع الخوض في هذه التفاصيل ونوكلها إلى مكان آخر . 2 - السياسات الشيطانية من عجائب الدهر أنّ مبادئ السياسة الاستبدادية تقريباً متكافئة طيلة التأريخ . فقد اعتمد فرعون قبل ألف سنة - على ضوء المنطق القرآني - سياسة فرق تسد « إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلا فِي الأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَها شِيَعاً » « 1 » وما زال هذا المبدأ باق على قوته في كافة نقاط العالم الاستكباري ، فالحكومات تلجأ إلى أقذر الوسائل من أجل تفرقة الصفوف . ولما كانت السياسة الشيطانية آخذة في التعقيد في عصرنا الراهن أكثر من سائر العصور ، فقد تعقد تبعاً لذلك مزج الحق بالباطل ، حيث يمزج بعض الساسة الحق بالباطل بالشكل الذي يصعب تمييزه على الناس ، وأدنى ذلك خداع الرأي العام ببعض العناوين كحقوق الإنسان والرفق
--> ( 1 ) سورة القصص / 3 .